قانون وعدل
هندسةُ المسؤوليةِ القانونية في البيئة الرقمية… عندما يصبحُ الفاعلُ شبكةً لا شخصًا واحدًا
مازن المليح
كان القانون، عبر قرونٍ طويلة، يمشي على أرضٍ صلبة؛ فإذا وقع الضرر، التفت إلى الفاعل، وإذا عُرف الفاعل، استقام طريق العدالة. كانت السلسلة واضحة: يدٌ امتدت، وفعلٌ وقع، وضررٌ تحقق، ومسؤوليةٌ ثبتت.
أما اليوم… فقد تبدلت الأرض التي يقف عليها القانون.
لم تعد الجريمة دائمًا تحمل بصمة يد، بل قد تحمل توقيع خوارزمية، أو قرار نظامٍ ذاتي، أو خلل تحديثٍ برمجي، أو ثغرةً أمنية، أو اتصالًا رقميًا انقطع في لحظةٍ حاسمة.
وهنا يقف العقل القانوني أمام سؤالٍ لم يكن مألوفًا في كتب الأمس:
إذا كان الفاعل شبكةً من البشر والأنظمة والبرمجيات… فمن يتحمل المسؤولية؟
تخيل طائرةً مسيّرة أُطلقت لمهمةٍ مشروعة، ثم اخترقها طرفٌ ثالث، فانحرفت وأتلفت ممتلكاتٍ أو أزهقت نفسًا.
من يُسأل؟
مالك الطائرة؟
أم الشركة المصنّعة؟
أم مبرمج نظام الملاحة؟
أم مزود الاتصال؟
أم المخترق؟
أم الجهة التي أهملت تحديث النظام الأمني؟
إن العدالة هنا لا تستطيع أن تكتفي بالإشارة إلى أول يدٍ أمسكت الجهاز، كما لا يجوز لها أن تُلقي جميع التبعات على آخر من ضغط زر التشغيل.
فالضرر في البيئة الرقمية قد لا يولد من سببٍ منفرد، بل من سلسلة أسباب؛ يبدأ بعضها في التصميم، ويظهر بعضها في التشغيل، ويتسلل بعضها عبر الإهمال أو الاختراق، ثم تجتمع في النهاية لتصنع النتيجة.
وهنا تظهر الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه:
هندسة المسؤولية القانونية.
والمقصود بها إعادة رسم خريطة الإسناد القانوني بما يواكب عالمًا لم تعد حدوده تُرسم بالأسلاك، بل بالبيانات، ولا تُدار فيه الآلات بالأوامر المباشرة وحدها، بل بالتحليل اللحظي، والتعلم الآلي، واتخاذ القرار في أجزاءٍ من الثانية.
لكن هندسة المسؤولية لا تكتمل بالبحث عن السبب الرقمي وحده.
فهناك سؤال أعمق:
أين تقع النية؟
ومن هنا يمكن الحديث عن مفهومٍ تحليلي نسميه:
النية الرقمية.
وليس المقصود أن للآلة ضميرًا يُدان، أو إرادةً جنائية تُعاقب؛ وإنما المقصود تتبع الإرادة البشرية حين تنتقل من اليد إلى الشيفرة:
ماذا أراد المصمم؟
وماذا علم المشغّل؟
وماذا توقع المطور؟
وما الخطر الذي كان معلومًا ثم تُرك النظام يعمل رغم إمكان وقوعه؟
فالنية الرقمية ليست نيةَ الآلة، وإنما الأثر القانوني للإرادة البشرية حين تختبئ داخل التصميم، أو البيانات، أو الأوامر، أو الإهمال، ثم تظهر نتيجتها في سلوكٍ رقمي.
وهنا تصبح المسألة أكثر دقة.
فقد لا يكون الشخص قد أمر النظام صراحةً بإحداث الضرر، ولكنه صمم بيئةً تعلم أنها قادرة على إنتاجه، أو أهمل خطرًا كان يستطيع منعه، أو أطلق نظامًا دون ضمانات كافية، ثم قال بعد وقوع الكارثة:
«الآلة هي التي قررت!»
وكأن الخوارزمية هبطت من السماء بلا مصمم، ولا مالك، ولا مشغّل، ولا مسؤول.
التقنية لا ينبغي أن تصبح ستارًا قانونيًا يختبئ خلفه البشر.
فالآلة لا تُحاكم لأنها آلة، وإنما يُبحث عمّن صممها، وشغّلها، ووجهها، وأهملها، واستفاد منها، وكان يملك القدرة على السيطرة على مخاطرها.
ومن الخطأ كذلك أن نظن أن الذكاء الاصطناعي خلق فراغًا قانونيًا كاملًا؛ فالأدق أنه كشف قصورًا في بعض طرق التفكير القانوني التقليدية حين نطبقها على منظومات لا يكون فيها الفعل صادرًا عن شخص واحد.
وهنا تتشكل أمامنا أربعة أسئلة كبرى:
النية الرقمية: ماذا كانت الإرادة البشرية الكامنة خلف النظام؟
السببية الرقمية: كيف انتقلت الأفعال والقرارات حتى وصلت إلى النتيجة؟
الإسناد الرقمي: إلى مَن يمكن قانونًا نسبة تلك النتيجة؟
توزيع المسؤولية: وما نصيب كل طرفٍ من التبعة بحسب علمه، وسيطرته، وإسهامه، وقدرته على منع الضرر؟
وهذا ليس خيالًا فلسفيًا بعيدًا.
فالتشريعات والأطر الدولية بدأت بالفعل تتعامل مع مسائل قريبة من ذلك؛ فقانون الأونسيترال النموذجي بشأن التعاقد المؤتمت لعام 2024 تناول إسناد مخرجات الأنظمة المؤتمتة والنتائج غير المتوقعة، وأصبح القانون الأوروبي لمسؤولية المنتجات يتعامل مع البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها داخلة في نطاق مسؤولية المنتج، كما أصبحت دورة حياة نظام الذكاء الاصطناعي من التصميم إلى الاستخدام محل اهتمام تنظيمي متزايد.
أي أن القانون نفسه بدأ يدرك أن المسؤولية في العصر الرقمي لا يجوز أن تبحث عن آخر يدٍ فقط، بل قد تضطر إلى تتبع السلسلة كلها.
ولهذا فإن سؤال المستقبل لن يكون فقط:
من ارتكب الخطأ؟
بل سيكون:
من صنع البيئة التي سمحت للخطأ أن يقع؟
وهذا في ظني أحد مفاتيح العدالة في العصر الرقمي.
فكل تقنيةٍ جديدة تُولد معها مسؤوليةٌ جديدة، وكل صلاحيةٍ رقمية تمنح صاحبها قوةً ينبغي أن يقابلها قدرٌ مماثل من المساءلة.
وعلى الشركات، والمطورين، والمؤسسات، والمشرعين، والجهات الرقابية، ألا يكتفوا بإبهار الناس بسرعة الابتكار؛ لأن التقنية التي تسبق المسؤولية قد تكون إنجازًا في المختبر… وكارثةً في المحكمة.
إن الحضارات لا تُقاس بسرعة ما تصنعه من أدوات، وإنما بقدرتها على ضبط آثار تلك الأدوات حين تخطئ.
فليس التقدم أن نجعل الآلة تفكر فحسب، بل أن نبقى قادرين على تحديد مَن يتحمل تبعة ما جعلناها تفكر فيه، وما سمحنا لها أن تفعله.
وسيأتي زمنٌ تصبح فيه البيوت، والمركبات، والمصانع، والمستشفيات، والأسواق، والخدمات الحكومية، وربما أجزاءٌ من صناعة القرار، متصلةً بأنظمةٍ ذكية تعمل في صمت.
وعندها لن يكون السؤال الكبير:
هل نحن مستعدون تقنيًا؟
بل:
هل نحن مستعدون قانونيًا؟
وهنا يكمن الفارق بين دولةٍ تستخدم التقنية… ودولةٍ تحكم التقنية بالقانون.
فالعدالة التي لا تسبق التقنية ستظل تركض خلفها؛ وحين تصل، قد يكون الضرر قد سبق الجميع.
مصادر التأصيل
لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي – قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التعاقد المؤتمت 2024
يتناول استخدام الأنظمة المؤتمتة والذكاء الاصطناعي في التعاقد، ويضع قواعد لإسناد مخرجات الأنظمة المؤتمتة والتعامل مع بعض النتائج غير المتوقعة.
زيارة المصدرالاتحاد الأوروبي – التوجيه (EU) 2024/2853 بشأن مسؤولية المنتجات المعيبة
وسّع مفهوم المنتج ليشمل البرمجيات، بما فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويتناول مسؤولية المصنع عن بعض العيوب المرتبطة بتحديث البرمجيات الخاضعة لسيطرته.
زيارة المصدرمجلس أوروبا – الاتفاقية الإطارية بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون
تتناول أنشطة أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر دورة حياتها، وهي أول معاهدة دولية ملزمة قانونًا مخصصة لهذا المجال.
زيارة المصدرالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية NIST – إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي
يؤصل لإدارة المخاطر لدى الجهات التي تصمم أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطورها وتنشرها وتستخدمها، ويوزع النظر إلى المسؤولية والمخاطر عبر مراحل النظام المختلفة.
زيارة المصدر